شهادة "حامد الجبوري" ودكتاتورية صدام حسين !!
بثت قناة الجزيرة في برنامجها (شاهد على العصر) أكثر من ثماني حلقات من الحوار مع حامد الجبوري، وكان الوزير العراقي السابق يروي شهادته على ثلاثة عقود من حكم البعث في العراق، وعلاقته مع صدام حسين وأجواء الحرب مع إيران وغيرها من أحداث. حامد الجبوري كان ذات يوم وزيراً للشباب، ثم تسلم وزارة الإعلام، ثم كان وزيراً للشؤون الخارجية، قبل أن يخرج كلية من آلة السلطة ويعيش مغترباً. القصص التي رواها عن صدام حسين وكيفية إدارته للسلطة وتفرده في القرار كانت مرعبة، وكشفت بوضوح عن ذهنية الديكتاتور وهيمنته على الحزب وتصفية خصومه بوحشية.
بعض الأحداث التي عاصرها حامد الجبوري أزاحت الغموض عن مفاصل مهمة من تاريخ العراق بعد انقلاب تموز عام 1968 وتسلم حزب البعث السلطة. اليوم، وبعد كل ما حدث، صارت معظم المحطات معروفة للجميع، بما فيها حياة صدام حسين الخاصة وأسرته والمقربين منه، لكن الجديد في الأمر أن هناك تفاصيل لم تذكر في تلك التواريخ، والمحطات، وظلت تشبه الظلال، ومنها على سبيل المثال انقلاب ناظم كزار الذي كان مديرا للأمن العام، في بداية السبعينيات. المحاولة الانقلابية التي قام بها، كما قيل حينها، ظلت غامضة، ومدار تساؤل، فكيف فكر ناظم كزار، وكان قياديا من الصف الثاني، وربما الثالث في سلطة البعث، في ترتيب عملية لاغتيال الرئيس وكان حينها احمد حسن البكر، وما الدافع وراءها؟
في الذاكرة الشعبية عادة ما ترافق اسم ناظم كزار صورته المرعبة كمدير للأمن، وتلذذه بتعذيب السجناء، وتصفية غير المرغوب فيهم سواء كانوا بعثيين أم من القوى السياسية الأخرى. خلال شهادته على ذلك الانقلاب رجح الجبوري أن يكون صدام حسين، وكان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، هو الذي وقف خلف المخطط، بعد أن استخدم ناظم كزار كأداة تنفيذ. كان الرئيس احمد حسن البكر في زيارة لإحدى الدول الاشتراكية، ربما المانيا الديمقراطية، ورتب كزار عملية دقيقة لقتله ما ان تحط الطائرة في المطار. حيث ستقوم قوة مسلحة بمهاجمة البكر حين ينزل من سلم الطائرة، ثم تجيء قوة ثانية من بهو المطار لتهاجم القوة الأولى وتصفيها، لكن هذه الأخيرة ستصفى أيضا من قوة منتخبة تقف على سطح المطار، وبذلك يتم دفن أثر القتلة موجة بعد أخرى. ومن سيقتلون لا يعرفون بالتأكيد مصيرهم المرعب المرسوم لهم بدقة شيطانية مرعبة. وقبل التنفيذ بساعات قام ناظم كزار باعتقال وزير الدفاع حماد شهاب، ووزير الداخلية سعدون غيدان، وبعض الضباط الآخرين الموالين للبكر، وكان حماد شهاب وسعدون غيدان يقفان سداً أمام طموحات صدام باعتبارهما من العسكريين المحترفين، وعضوين في الحزب، وهما مواليان للبكر بشكل مطلق.
المخابرات السوفيتية كانت متغلغلة بجهاز المخابرات العراقي، والأمن العام، لذلك عرفت بخيوط المؤامرة فاتصلت بجيفكوف وطلبت منه انزال طائرة أحمد حسن البكر ساعات في بلغاريا، وهذا ما حصل. تمت عملية التأخير بسرية تامة لم تعرف بها حتى الحكومة العراقية. لذلك انتظرت المجموعات التي ستهاجم الرئيس ساعات، لكن الرئيس لم يصل، وهذا ما أدخل الشك في نفوس المخططين، وأدركوا أن المؤامرة ربما انكشفت. قاد ناظم كزار رهائنه نحو الحدود العراقية الإيرانية، وتمت تصفية حماد شهاب وسعدون غيدان والضباط الآخرين، وخرج صدام حسين إلى الشعب ليعلن فشل مؤامرة ناظم كزار. وهذا ما فتح أمامه الباب ليكون الرجل الوحيد في تسيير شؤون العراق. أصبح البكر رهينة بيد أجهزة المخابرات، والحزب، والمكاتب الخاصة التي يشرف عليها صدام حسين بنفسه. هذه حادثة واحدة من عشرات ذكرها حامد الجبوري الذي ظل سنوات ينام وهو يضع مسدسا، وبندقية كلاشينكوف، قرب وسادته لكي يدافع بهما عن نفسه وعائلته اذا ما قرر صدام اعتقاله أو تصفيته. في زمن كانت وشاية صغيرة أو كلام عام أو حتى نظرة غير مريحة يمكن أن تؤدي إلى الموت، كما حصل للفريق عمر الهزاع الذي تقاعد من قيادة إحدى الفرق العسكرية وكان ينتمي إلى عشيرة صدام حسين التكريتية ذاتها. كان هذا الفريق معروفا كما يقول حامد الجبوري بطول اللسان، وشرب الكحول، وقد سجلت له خادمة المنزل حديثا يتناول فيه صدام حسين بسوء، مما أدى إلى اعتقاله في اليوم الثاني وتصفيته، هو وإبنه فاروق، بعد أيام فقط من الاعتقال.
وعلى ذكر الخادمات، قال الجبوري إن جميع خادمات الوزراء والمسؤولين الكبار في البيوت يتم تعيينهن من قبل القصر، وهذا ينتقيهم من عناصر المخابرات المدربة على التجسس والوشاية وتسجيل الجلسات الخاصة. والخادمات عادة ما يكن سيدات جميلات كما ذكر، يرتدين أجمل الملابس ويتأنقن كما لو كن سيدات مجتمع راق. وتأكيدا لهذا شاعت أيام الحرب العراقية الإيرانية حفلات ترفيه كانت تقام للضباط استخدمت فيها النساء بشكل واسع، وقد تكون لغرض مثل ذاك. إذ المعروف أن صدام، وعن طريق الوشايات والدسائس، كان يوجه ضرباته الاستباقية، حتى دون محاكمات او تبيان للحقائق، او تفكير بالنتائج. هذه الذهنية هي التي دخلت أطول حرب في التاريخ الحديث، مع دولة تفوق العراق مساحة ونفوساً، الا وهي ايران. الحرب تلك كما قال الجبوري لم يكن هدفها تحرير الأراضي العراقية التي تحتلها ايران، وهي زين القوس وسيف سعد، ولا استرجاع نصف شط العرب الذي اعطاه صدام بنفسه لشاه ايران في معاهدة الجزائر عام 1975 ، بل السبب هو الاستيلاء على نفط عبادان والمحمرة، اي ما يعرف بعربستان. بعد سنوات من ذلك سيحقق صدام حسين هاجس النفط ذاته ويحتل دولة الكويت، فتواترت بداية النهاية لحقبة البعث في العراق، وعبدت البوابة نحو الهاوية التي وجد العراق نفسه فيها.
ربما فكر صدام حسين أن الجيش الايراني مفكك بعد تصفيات الثورة الإسلامية التي طالت الضباط والخبراء، وأن الغرب، وخاصة أميركا ضد صعود الخميني والإسلام السياسي الذي كان يؤمن بتصدير الثورة، وهو لم يحسب حسابا للمستقبل، ولا قدر المخاطر العميقة لاحتلال اراضي دولة بهذا الحجم، حتى وان كانت مفككة الأوصال. لذلك لم يقبل بأي وساطة تثنيه عن تحقيق هذا الطموح، بل وكان يمقت أي وسيط يحاول إطفاء النيران، خاصة من الدول العربية. كانت الجزائر وقتها مهتمة بايقاف الحرب بين الجارين المسلمين، لذلك أوفدت وزير خارجيتها للوساطة. التقى بصدام حسين في بغداد ثم رحل بطائرته باتجاه الشمال العراقي لكي يعبر إلى ايران خلل الأجواء التركية. فوجئ العالم بسقوط طائرة الوزير بصاروخ. العراق اتهم ايران باسقاط الطائرة، وفتحت ايران تحقيقاً اشركت فيه الجزائر لمعرفة الجهة التي أطلقت الصاروخ. تبين لاحقا، وعبر اتصالات مع الجانب السوفيتي، أن الصاروخ هو جزء من صفقة صواريخ معروفة بالأرقام صدرت إلى العراق. كانت نتائج التحقيقات ملفا ضخما، بلغت صفحاته أكثر من مئتي صفحة سلمها وزير جزائري إلى صدام حسين الذي نظر إلى الوزير ببرود، واستلم التقرير الذي يلقي اللوم على العراق ولم ينبس بشفة كما قال الجبوري..... لكن لماذا سمم صدام حسين هواري بومدين؟ سؤال لم يجب عليه الجبوري اجابة جازمة. إنها شكوك فقط. قد تكون للأمر علاقة بوساطة هواري بو مدين في اتفاقية الجزائر مع الشاه، او للكاريزما التي كان يمتلكها في الوسط العربي، وقد تكون لسبب آخر. فهواري بومدين أحس بتوعك صحته ما أن حط في مطار دمشق عائداً من العراق. ثم وكما ذكر طبيبه الخاص للجبوري أن بو مدين تحول إلى ما يشبه الشبح في أخريات أيامه. اضمحل لدرجة أن عظامه تتكسر ما أن يلمسها الشخص. قال حامد الجبوري إنه رأى حالة مشابهة لتلك بعد سنوات، وكانت لرجل تم تسميمه بالثاليوم في العراق.
وعلى ذكر الحرب مع ايران قال الجبوري إن قرار الحرب كان مفاجئا لنا كوزراء، فحتى قبل أيام من بدء الحرب لم تطرح القضية للبحث على مجلس الوزراء، وقد لا يعرف بالقرار حتى وزير الدفاع، وهذه من طبائع صدام حسين، فجيبه اليمين لا يعرف ما هو موجود بجيبه اليسار على حد تعبيره.
ولأن الديكتاتور عادة ما يتعامل مع المحيطين به بعقلية زعيم المافيا، فهو يمكن أن يبطش بأي كان ولأقل هفوة. لا علاقة للأمر بالكفاءة أو الشهادة أو حتى الولاء أحيانا. لكن نتيجة حسابات غامضة لا يدركها سوى الرئيس ذاته. بطش بعدنان الحمداني لأنه اقترح في جلسة من جلسات مجلس الوزراء على الرئيس أن يتنازل فترة قصيرة عن الحكم لكي يلبي شرط الخميني في ايقاف الحرب، فقتل في الليلة ذاتها. أما حامد الجبوري وكان وقتها وزير الشؤون الخارجية، ووكيله في الوزارة محمد سعيد الصحاف فأقصيا من منصبيهما لأنهما لم يلتزما بالدوام والحضور في الساعة الثامنة صباحا. ذهب الجبوري قبل بداية الدوام الرسمي إلى مطار بغداد لتوديع أخيه المصاب باللوكيميا، تأخرت الطائرة عن الإقلاع فاضطر للبقاء مع أخيه ساعة اضافية. في حين رافق الصحاف ولديه إلى المدرسة لتسجيلهما هناك، ولأن الوزارة مليئة بالعيون والمترصدين عرف القصر ان الوزير ووكيله لم يحضرا في الثامنة صباحاً مما جلب عليهما غضب الرئيس وقرر إعفاءهما حتى دون السؤال عن أسباب غيابهما عن الوزارة. كان سبب الإقالة، وكما جاء في بيان رئاسة الجمهورية في حينه، عدم التزامهما بالدوام. أي أن الوزير في الحكم الديكتاتوري كان يعامل كأي شرطي بسيط في مخفر. خاصة وأن الرئيس كان يتدخل في الشاردة والواردة ويوجه الجميع: الجيش، الإعلام، الحزب، الأجهزة الأمنية، السفراء، وذلك عبر قنوات من المخبرين كأن يكونوا سواق سيارات أو طباخين أو خدامين أو موظفين صغاراً.
قصة ذلك السائق في السفارة الإيطالية وقف عندها الوزير طويلاً، حين كان وزيراً للشؤون الخارجية. استلم تقريراً من سائق السفارة يقول إن السفير غير جدير بالبقاء في منصبه لأنه يستخدم سيارات السفارة لأغراضه الشخصية، وكاد التقرير يبطش بالسفير رغم أنه مرفوع من سائق بسيط. كان الجميع يخاف من الجميع. ونادرا ما تكون الحوارات بين رجال الحكم صريحة حول القضايا المطروحة على الساحة. فيمكن لرأي غير واضح، أو مختلف قليلاً مع ما يفكر به الرئيس أو يقوله، أن يؤدي بصاحبه إلى المقصلة، أو إلى هامش الحياة. لذلك لم يكن الشعب فقط يعيش في رعب طوال ثلاثين سنة أو يزيد، لكن رجالات الحكم أيضاً، وقد يشمل هذا الرعب الرئيس ذاته. المفارقة التي يلاحظها المشاهد، طوال الحلقات الثماني تلك، أن الوزير، كان خلال الحوار، يجيب بحذر وينتقي كلماته، ويلتفت يميناً ويساراً وكأنه لما يزل يعيش في أروقة القصر الجمهوري، أو في حي المنصور وسط بغداد، رغم مرور نحو سنة ونصف على إعدام صدام حسين. ألهذا ربما مازال بين العراقيين من يعتقد أن من أُعدم هو شبيه صدام؟









































